فوزي آل سيف

95

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

في الطريق إلى الشهادة 1/ كانت سياسة كظم الغيظ هي الاستراتيجية العامة للإمام عليه السلام فيما قبل مرحلة سجنه بل إلى الفترة الأكثر من سجنه لكنها تغيرت في الفترة الأخيرة. فإذا كان الإمام عليه السلام في الفترات الأولى يلاحظ ألّا يقول كلامًا يجر عليه أو على شيعته الأذى وربما يتعرض فيه إلى القتل أو شيعته إلى الاستئصال أو أن يتخذ موقفًا ينتهي إلى ذات النتيجة فإن هذا الأمر تغير مع دخوله تحت يد السندي بن شاهك وعهدة البرامكة الذين سعى سيدهم يحيى بن خالد إلى إنهاء وجود الإمام عليه السلام موافقا في ذلك رغبة في نفس هارون العباسي، هنا تغيرت كلمات الإمام ومواقفه فصارت صارمة وقوية فلم يبق شيء يُخاف عليه، فليصرح الإمام بمواقفه، ولتبق للتاريخ والناس شهادة صارخة على ما ارتكب في حقه من ظلامات. سنشهد في هذه المرحلة كلاما قويا ومواقف حاسمة تجاه الخلافة العباسية وهارون العباسي نفسه، ولا مجال فيها لتقية أو مداراة! وقد بينت إحدى رسائل الإمام عليه السلام التي أرسلها من داخل السجن إلى علي بن سويد السائي تلك المرحلة الجديدة بقوله فيها: «كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية، ومن كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة، وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها، العتاة على خالقهم، رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه، مخافة أن تدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الأمر أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشاً عليهم بإفشاء ما استودعتك، وإظهار ما استكتمتك، ولن تفعل إن شاء الله. إن أول ما أنهي إليك أني أنعى إليك نفسي في لياليَّ هذه، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن، مما قد قضى الله عز وجل وحتم، فاستمسك بعروة الدين، آل محمد والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي، والمسالمة لهم والرضا بما قالوا، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تُحبّن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم! وتدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه، ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون»[190]. وحين أرسل له هارون بعض وكلائه ليشيروا على الإمام بأن يعتذر[191] لهارون! وعندها سيطلق سراحه من السجن وأنه لا ضرر عليه من ذلك الاعتذار، فرفض ذلك وقال كلمته التي أصبحت من يومها راية تضم أصحاب النفوس العالية والمواقف الشامخة.

--> 190  الكليني: الكافي 8/ ١٤٨ 191  هي الحيلة التي يلجأ إليها أكثر الطغاة من أنهم سيستفيدون من اعتذار المظلوم لهم في إدانة نفسه، وتثبيت التهم الباطلة في حقه ثم قد يطلقونه ويمنون عليه في ذلك بعد أن حطموا شخصيته وقد لا يطلقونه!